عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
39
اللباب في علوم الكتاب
[ التوبة : 77 ] ، وقوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ الفرقان : 68 ] ، وقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ
--> - وأما الثاني : فلأنه يؤدي إلى أن موسى - عليه السلام - جاهل بما يجوز عليه وما يمتنع ، ومن كان هذا شأنه ، لا يصلح للنبوة ؛ إذ المقصود من البعثة هو الدعوة إلى العقائد الحقة ، والأعمال الصالحة ، فكيف يكون الجاهل بأحكام الألوهية - خصوصا بما يجب وما يجوز وما يمتنع - مكلفا من ( الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) * بهدآية الخلق ، ودعوتهم إلى ما يترتب عليه فلا حهم ونجاتهم . قال الشيخ السنوسي في « شرح الكبرى » : كيف يجهل موسى - عليه السلام - ما أدركت استحالته حثالة المعتزلة ، فلو لم يعتقد جوازها ، ما سألها ؛ إذ اعتقاد ما لا يجوز عليه - تعالى - جائزا كفر ، ومن جوز ذلك على موسى أو على أحد من الأنبياء ، فهو كافر ؛ إذ الأنبياء معصومون من الخطأ في العقائد الإلهية ، خصوصا الأوليات منها ، وموسى - عليه السلام - من رؤسهم كما أسلفنا ؛ إذ هو أحد أولي العزم من الرسل . وأما دليل الاستثنائية ( لكنه طلبها ) : فقوله - تعالى - : ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) فلامرية لعاقل في دلالة ذلك على أن موسى - عليه السلام - سأل ربه الرؤية . لكن المعتزلة لما أحالوا رؤيته - تعالى - ؛ صرفوا الآية عن ظاهرها ، وأولوها بما يتفق ومذهبهم ، وها هي اعتراضاتهم مع الرد عليها : الاعتراض الأول : قالوا لا تسلم أن موسى - عليه السلام - سأل ربه الرؤية ، وإنما سأله علما ضروريا ، وليس في الآية ما يدل على سؤالها ، وما يستأنس به من لفظ الرؤية فالمراد منه : العلم الضروري لا حقيقة الرؤية ، ولا ضير في ذلك ، وأن العلم الضروري لا زم للرؤية ، وإطلاق الملزوم على اللازم شائع كثير ، سيما أرى بمعنى : أعلم ، ورأى بمعنى : علم ، ويكون المعنى على هذا من قوله : ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ : ) رب اجعلني عالما بك علما ضروريا ، ففي هذا الاعتراض منع للاستثنائية بمنع دليلها ، وهذا منسوب إلى أبي الهذيل العلاف ، وتبعه الجبائي وأكثر البصريين . وأجيب عن هذا الاعتراض . أولا : لا نسلم أن الرؤية في الآية بمعنى العلم الضروري ، وإلا كان النظر المترتب عليها بمعناها أيضا ، والنظر وإن جاز استعماله بمعنى العلم الضروري ، لكنه في هذا المقام ممتنع لغة ؛ إذ لم ينقل النظر الموصول ب « إلى » إلا بمعنى الرؤية ، وما قيل من أن الدليل هو استحالتها ، فمردود بما سنجيئه من الأدلة الدالة على جوازها - إن شاء الله - . ثانيا : لو صح حمل الرؤية على العلم الضروري ، للزم أن يكون موسى النبي المصطفى بالتكليم غير عالم بربه علما ضروريا ؛ إذ السؤال عن الشيء إنما يكون عند الجهل به ، وكيف يتصور ممن يدعو الخلق إلى عبادة ربهم أن يكون جاهلا به ، وأيضا : فإن خطابه لربه يقتضي أن يكون معلوما له بوجه ما ، فإن أريد بالعلم المدعى لزومه للرؤية العلم بالهوية الخاصة ، قلنا : إنه يتناقض مع دعواهم ؛ إذ العلم بالهوية الخاصة ، بمعنى : الانكشاف التام لا يكون إلا بالمشاهدة والقيامة ؛ كما هو شأن جميع الجزئيات الحقيقية ، وأي عاقل يقول بلزوم مثل هذا العلم للرؤية ؟ مع أننا لو سلمنا لزومه للرؤية ، لوجب أن تؤل الرؤية به ، وحينئذ لا يصح قول المعتزلة ، بل يجوز بها عن العلم الضروري ؛ لأنه لا زمها . ثالثا : لو كانت الرؤية في قوله - تعالى - : ( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) بمعنى العلم الضروري كما يقولون ، فإما أن يكون الجواب بقوله - تعالى - : ( لَنْ تَرانِي ) نفيا للعلم الضروري ، أو للرؤية ، فإن كان الأول ، لزم أن يكون المعنى في ذلك : لن تعلم بي علما ضروريا ، وهو بديهي البطلان ، وإن كان الثاني ، لم يصلح أن يكون نفي الرؤية جوابا عن سؤال العلم الضروري وكيف يستقيم هذا جوابا في كلام البشر ، -